ماذا وراء اشتعال الحرب الحقوقية

بين المغرب و الجزائر؟

جاء في كتاب الفيلسوف الفرنسي ريمون أرون "سلم و حرب بين الأمم" أن كل صراع بين بلدين له أشكال متعددة و مختلفة، فالنزاع المسلح غالبا ما ينطلق مباشرة بعد فشل المساعي الدبلوماسية و المفاوضات التي تعكس مواقف متناقضة و غايات متطرفة للأطراف المتحاربة، فحسب المؤلف المذكور، تتوقف المواجهات العسكرية لعدة أسباب ( عدم توفر إمكانيات مواصلة القتال و نفور الشعوب من محن المعارك أو لأسباب اقتصادية)، لتفسح المجال أمام سياسة الحوار المباشر او الغير المباشر من جديد، انه أسلوب آخر لاستمرار الصراع بين الأطراف المتناحرة بطرق سلمية ، فالأسلحة الدبلوماسية والإعلامية المستعملة في تسيير المفاوضات لا تقل عنفا و دموية أحيانا من الرصاص و المدفعية  و الصواريخ، وقد تنهار المواجهة العسكرية أو الدبلوماسية، بفعل تدخل قوة خارجية قوية، قد تكون دولة عظمى أو مجلس الأمن (الفصل السابع)، لتضع حدا للنزاع بدعوى تهديده للاستقرار و السلم العالميين. إن نظريات ريمون آرون تتطابق وبشكل عجيب مع الصراع المغربي الجزائري منذ إنشاء "الجمهورية الصحراوية الوهمية" من لا شيء  في تندوف سنة 1976، وهكذا عبرت الجزائر في الماضي بالوسائل العسكرية عن رفضها لاسترجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية  من خلال حرب ضروس بين الجانبين و بالوكالة، دامت 16 عشرة سنة، حرب ذهب ضحيتها أكثر من 30 ألف جندي مغربي، وما يعادلهم من الجرحى إضافة إلى 2400 أسير، وهذه إحصائيات شبه رسمية. أما الجانب الآخر -الجزائر و البوليساريو- فلم يصرح بخسارته البشرية أو المادية الكبيرة، نظرا لكون الجزائر كانت و لازالت تدعي دائما أمام العالم أنها طرف مهتم بالنزاع و ليست معنية به، والحقيقة خلاف لذلك، فالجزائر هي دولة مهتمة و معنية في آن واحد بمستقبل الصحراء، لأسباب متعددة يغلب عليها هاجس الأمن القومي الجزائري أكثر من رغبتها في تقرير مساندة ˝مصير الشعب الصحراوي˝.

بعد وقف إطلاق النار سنة 1991، بفضل جهود و مساعي حميدة بين الأطراف المتخاصمة، قامت بها عدة جهات عربية و أجنبية، تم نشر قوات الأمم المتحدة لمراقبة اتفاقية وقف إطلاق النار بين المتناحرين في الحرب التي استطاع فيها المغرب تأمين أكثر من 85 % من تراب إقليم الصحراء عسكريا، أما ما تبقى من الإقليم، فيعتبر منطقة منزوعة السلاح، تخضع للأمم المتحدة و لقواعد فك الارتباط المحددة في القانون الدولي، قرى صغيرة تحكمها قوة القبعات الزرق و يشرف عليها مجلس الأمن الدولي عادة في مثل هذه المنازعات.

إن استمرار المواجهة بين الجارين الشقيقين، أخد منحنا دبلوماسيا و حقوقيا و اقتصاديا و إعلاميا متصاعدا، ينذر بالعودة  إلى حمل السلاح من جديد، فدبلوماسية الجزائر التي كان ينشطها الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، وزير الخارجية منذ انقلاب المرحوم العقيد بومدين على الرئيس بن بلة سنة 1965، نجحت إلى حد ما في استقطاب العديد من الدول في إفريقيا وأمريكا اللاتينية بدءا من 1976، من أجل الاعتراف ˝بالجمهورية الصحراوية الوهمية˝ المعلنة عن طريق التضليل و تشويه حقائق وجذور الصراع في المنطقة. فلقد اعتمدت الأطروحة الجزائرية الداعمة للانفصال في الصحراء، على نقطتين حساستين و أساسيتين في القارة السوداء و في دول عدم الانحياز- دول خرجت حديثا من مرحلة الاستعمار-: النقطة الأولى، تكمن في اعتماد الجزائر على خطاب  إيديولوجي يسوق لمشروع انفصالي تحت غطاء محاربة المغرب، "الملكية الرجعية القرن وسطية المتحالفة مع الاستعمار و الامبريالية"، خطاب مسموم و ملغوم، ظاهره ثوري و تقدمي و باطنه يخفي علامات استفهام كثيرة، أفلح في التأثير كثيرا في أغلبية الأنظمة الجمهورية الإفريقية الصغيرة، خاصة تلك التي رفعت شعار الاشتراكية و طبقت شفويا الأفكار الماركسية، دعاية الغرض منها تشويه سمعة دولة شقيقة، دولة كانت تتزعم الجناح اليساري في إفريقيا في الستينات أو الذي كان يسمى آنذاك بجناح الدارالبيضاء. وفي هذا السياق، فإننا لا ننكر أن المشروع الانفصالي المسوق في البداية من طرف الخارجية الجزائرية النشيطة، وجد صدى ونصرة في إفريقيا أكملتها تداعيات الحرب الباردة، التي كانت تدور بين معسكرين متناقضين و متضادين سياسيا و فكريا، والأكثر من ذلك كان الخطاب الجزائري يستعمل في بعض الأحيان بعض المصطلحات والتعبيرات المغلوطة، التي تلامس خطاب التمييز العنصري ضد المغرب ملكا و شعبا . أما النقطة الثانية في الإستراتيجية الدبلوماسية الجزائرية، تتمثل في الضرب على الوتر الحساس المخيف و الرهيب عند الأفارقة، وتر يتمثل في عقدة  الأفارقة وتمسكهم بالحدود الوطنية، الموروثة عن عهد الاستعمار إلى درجة رفعها في نظرهم و قلوبهم و أدبياتهم إلى مستوى القدسية، و كأن هذا المبدأ منزل من السماء، فالدول الإفريقية و حتى اللاتينية، كانت عبارة عن قبائل و مجاميع بشرية موحدة قبل الاستعمار، ثم جزأت و قسمت إلى عدة كيانات أو دويلات مستقلة غير متجانسة و متصارعة حسب خريطة جيوستراتيجية، تضمنتها الاتفاقيات القديمة المبرمة بين الدول العظمى الاستعمارية في القرن التاسع عشر، فترسيم الحدود في إفريقيا و أمريكا الجنوبية و آسيا كان عملا استعماريا ذكيا، يرنو إلى حماية مصالح الدول الاستعمارية بعد استقلال هذه الفسيفساء، بغية استغلال هذه الدول المستضعفة عند الحاجة، ترسيم  خلق دولا مشوهة و مصطنعة على شكل  قنابل موقوتة تنفجر كل مرة بصفة متتابعة كما هو الحال في القارة الإفريقية (الحروب الأهلية : الكونغو الديمقراطية ، دول الساحل ، نيجيريا، الصومال، إثيوبيا، مالي، روندا، بوراندي، انغولا،  الخ..)، وفي هذا النطاق، نجد القبيلة الواحدة مقسمة على أربعة أجزاء و موزعة على أكثر من دولة ( الكامرون، رواندا، نيجريا، ساحل العاج، الخ...)

إضافة إلى تسخير العامل الإيديولوجي الذي وظفته الجزائر بدهاء في علاقاتها الدولية، القائم على التخويف من انفجار الدول الإفريقية، إن هي أقدمت على تعديل حدودها الهشة و المصطنعة والمرسومة. سعت الدبلوماسية  الجزائرية بضخ مال ضخم ومساعدات عينية سخية (البترول ، الغاز، الأدوية، المواد الغذائية) لشراء ذمم بعض الرؤساء و الأحزاب الحاكمة  و بعض الزوايا و بعض المنابر الإعلامية المأجورة في القارات الخمس، لحثها على  الاعتراف "بالدولة الصحراوية المزعومة"، و بهذه الأساليب الديماغوجية والرشوة، وفي بعض الأوقات التهديدات بمساندة المعارضة في  الدول الإفريقية الفقيرة المعارضة للبوليساريو، استطاعت الجزائر أن تضمن لهذا المخلوق الجديد الغير الشرعي في المنطقة، اعتراف منظمة الوحدة الإفريقية، مما  أدى إلى انسحاب المغرب، الذي يعتبر أحد مؤسسيها و حامل لواء الممانعة ضد الاستعمار في بداية الستينيات حيث استفادت العديد من الدول الإفريقية ماديا و معنويا من المغرب أثناء الاستعمار. (عدة دول إفريقية ولاتينية سحبت اعترافها بعد اكتشافها لحقيقة النزاع).

إن إدخال جبهة البوليساريو "كدولة ذات سيادة" إلى الإتحاد الإفريقي، سمح للدبلوماسية الجزائرية  باستعمال هذه المنظمة الإفريقية في صراعها الدبلوماسي مع المغرب وتفرغت  للقارات الأخرى، عبر تسويق أطروحة الانفصال بنفس الأسلوب و بنفس الآليات، الأمر الذي مكنها من الوصول إلى نتائج نسبية في أمريكا الجنوبية و آسيا، إستراتيجية أقحمت فيها الأمم المتحدة بدون إرادتها في النزاع عن طريق إدراج قضية الصحراء في خانة القضايا المتعلقة بتصفية الاستعمار، و ليست في خانة استكمال المغرب لوحدته الترابية كعضو سبق له المطالبة بالإقليم في الصحراء منذ 1958. أما على مستوى المنظمات الجهوية الأخرى، فالأكيد أن الجزائر فشلت فشلا  ذريعا في فرض إرادتها، رغم محاولات متعددة لإدخال ربيبتها إلى الجامعة العربية و منظمة المؤتمر الإسلامي و منظمة دول عدم الانحياز، منظمات رأت في الصراع المغربي الجزائري نزاعا إيديولوجيا وحدوديا قديما جدا، ترجع جذوره و تاريخه إلى 1830، تاريخ استعمار الجزائر و تحويلها إلى أرض فرنسية، فالتناحر السياسي الحالي بين البلدين الشقيقين أظهر بوضوح طموحات الهيمنة و الزعامة، و تطلعات الأمن القومي للجزائر في منطقة شمال إفريقيا. الجزائر تعتبر المنطقة الممتدة من نهر السنغال إلى الإسكندرية، منطقة أمنها القومي فلا تعبير و لا تبديل دون موافقتها،  تكتيك مفضوح يسعى إلى الالتفاف على الصحراء الشرقية، التي لا زالت تعتبر إشكالا تاريخيا و جغرافيا و بشريا بين الدولتين الجارتين، ومنطقة النزاع الأصلي حسب المؤرخين و مصدر المنافسة بين البلدين. أما على صعيد أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية و الصين و اليابان و روسيا و الهند، الظاهر أن هذه الدول لم تخضع للضغوطات الجزائرية، سواء كانت اقتصادية أو إعلامية أو سياسية. فلم تنجح الخارجية الجزائرية في جر هذه الدول إلى دعم أطروحتها الانفصالية في شمال إفريقيا، رغم استثمار مهندسي الدبلوماسية الجزائرية لأموال كبيرة، لاستمالة المجتمع المدني الأوروبي والأمريكي والكندي و الأسترالي، للتأثير عليه  في صناعة الرأي العام من أجل مساندة البوليساريو ومن اجل  الضغط على الحكومات الديمقراطية. إن استعمال الجمعيات اليسارية و وسائل الإعلام الموالية لها من لدن الجزائر غايته التأثير على الشعوب الغربية لمناصرتها في صراعها مع المغرب، الذي دام أكثر من ثلاثين سنة، صراع من أجل الاعتراف بكيان هجين في الصحراء المغربية. كانت المحطة الأولى في هذا النشاط العدائي الدبلوماسي للوحدة الترابية للمغرب هي اسبانيا، الدولة المستعمرة لإقليم الصحراء سابقا، دولة لها موروث ثقافي و تاريخي و سياسي و عسكري معقد مع المملكة المغربية، منذ أن أسلم العرب شبه الجزيرة الأيبيرية. فاسبانيا لا زالت تستعمر مدنا و جزرا مغربية و تحول دون استقلالها عبر مساومات وابتزازات مختلفة خدمة للمصالح الجزائرية. هذا الضغط  الجزائري المتزايد على الحكومات المتعاقبة في مدريد، يسارية كانت أو يمينية، يرمي إلى دفع اسبانيا لاتخاذ إجراءات و قرارات مساندة لجبهة البوليساريو الانفصالية ، فاليسار الإسباني المدعوم جزائريا، أضحى الحليف القوي للجزائر في العالم ضد سيادة المغرب على إقليم الصحراء. فالكنفدرالية الاسبانية للعمال، الحزب الشيوعي، المنظمات الانفصالية في الشمال الاسباني كمنظمة إيتا و بعض الأحزاب الكتلانية و جبهة تحرير جزر الكناري ، كل هذه التنظيمات التي كانت ممولة و لاجئة في الجزائر في عهد فرانكو، تحولت في الحقيقة إلى أذرع نشيطة موالية للدبلوماسية الجزائرية في أوروبا و أمريكا اللاتينية (عامل اللغة)، إضافة إلى هؤلاء، نجد لوبي  الغاز و البترول القريب من اليمين، وخاصة  الحزب الشعبي الاسباني ذو الميول الاستعمارية و العنصرية، ولقد وظف هذا  الأخير لمعاكسة المغرب من خلال رفضه للحل المغربي المطروح على أنظار مجلس الأمن الدولي، المتعلق بمشروع الحكم الذاتي الواسع في الصحراء، فاليمين الاسباني الذي حارب الشيوعيين و الفوضويين في الحرب الأهلية الاسبانية سنة 1936 أصبح ولأول مرة في تاريخ اسبانيا متحالفا وشريكا مع اليسار في تعبئة المجتمع المدني الاسباني والمجتمعات الأوروبية و الأمريكية الجنوبية بأكملها ضد المغرب، انطلاقا من مدينة ساركوس، التي أصبحت بالمناسبة عاصمة الانفصال في المهجر مرورا بالبرلمان الأوروبي و المؤسسات التابعة له ووصولا إلى القارة الأمريكية الجنوبية. و للتاريخ ينبغي أن نذكر أن المغاربة لعبوا  دورا أساسيا في تاريخ اسبانيا القديم و الحديث، فهم الذي أرجعوا الملكية إلى الحكم في اسبانيا و ساهموا في عودة الديمقراطية الحديثة إليها.

أما على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، فلقد حاولت الجزائر، تجنيد واستقطاب العديد من الأحزاب وجماعات الضغط لصالحها سواء في الحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري داخل الكونغرس أوفي البيت الأبيض أو مجلس العموم الكندي والحكومات المحلية كالكبيك مثلا. فعلى مستوى الديمقراطيين، استعملت الدبلوماسية الجزائرية خطابا جديدا يمجد الديمقراطية و يلمع صورة حقوق الإنسان في الجزائر ويروج لانتصاراتها على الإرهاب ، خطاب  كان يحاول دائما و ضع المغرب ظلما و كذبا في قفص الاتهام، بدعوى رفضه تطبيق استفتاء "حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره" و تحت ذريعة انتهاكه لحقوق الإنسان في إقليم الصحراء، ولقد اتخذت الخارجية الجزائرية من مؤسسة روبرت فرانسيس كيندي، وزير العدل الأمريكي المغتال و بعض مراكز الأبحاث القريبة من لوبي الغاز و البترول، مراكز أساسية للدعاية و التضليل    وعلامة تجارية تلمع بها أطروحتها المساندة للانفصال. إن هذا الاستثمار السياسي، كلف الجزائر الملايين من الدولارات من ميزانية شعبها المظلوم، أجندة هدفها محاصرة المغرب حقوقيا وإعلاميا في الولايات المتحدة الأمريكية، و بالمناسبة، إن مركز كيندي المعروف بمواقفه الداعمة لحقوق الإنسان في العالم، يجهل المعطيات الحقيقية للصراع بين المغرب و الجزائر، فوقع على ما يبدو أسيرا للمغالطات الجزائرية.

ينبغي التنبيه، أن بعد وقف إطلاق النار سنة 1991 بين الجارين، قامت الجزائر بتسريب خلسة و في جنح الظلام و عبر الأراضي الموريتانية الشاسعة، بعض عناصر البوليساريو و بعض الموريتانيين، وحتى بعض الأفارقة الفقراء المساندين لها، المضطرين بسبب المجاعة في دول الساحل، إلى إقليم الصحراء، الذي كان ينعم بالهدوء و السكينة و التنمية، فالجزائر و صنيعتها استغلا قانون العفو الشامل، المرفوع تحت شعار"إن الوطن غفور رحيم"، المطروح على أبناءه الصحراويين، الذين اختاروا مسارا سياسيا معاكسا، و نجحت نسبيا في محاولة نقل الصراع إلى الداخل المغربي الآمن، فالانفتاح الديمقراطي الذي عرفه المغرب منََذ وصول الملك محمد السادس إلى الحكم سنة 1999، والذي توج بإصلاحات إيجابية  في ميدان حقوق الإنسان و الحريات العامة في المغرب، كان أهمها قرار إنشاء مؤسسة الإنصاف و المصالحة الخاصة بتعويض المتضررين ماديا و معنويا في انتهاكات حقوق الإنسان التي عرفتها البلاد، سمح لبعض الأصوات المعارضة القليلة في التعبير عن ولائها للانفصاليين، و ذلك بتنظيم بعض الوقفات والتجمهرات ورمي رجال الأمن بالحجارة في بعض المدن الجامعية، دون احترام القوانين و التشريعات المتعلقة بتأسيس الجمعيات و حرية التجمعات و المظاهرات، يبدو ان العاهل المغربي يقارب هذه الظاهرة الدخيلة على  أجماع الشعب المغربي، مقاربة رزينة و هادئة تعتمد الحوار و النقاش و التوعية و احترام الرأي الآخر، انه إفراز طبيعي واكب الانتقال الديمقراطي في البلد، إشكالية  و جدت حزبا سياسيا مغربيا (النهج الديمقراطي)، يمثلها و يدعمها محليا و دوليا. فالمغرب يعالجها  بوسائل حكيمة و يحد منها و  يحاصرها عبر إجهاض خطاب الانفصال والعنف و التشرذم في الداخل الداعم لها، إنها طريقة اعتمدت على التجربة الفرنسية فيما يخص تدبير المنظمات الكورسيكية أو التجربة الاسبانية التي تحارب منظمة إيتا الباسكية المسلحة من جهة، - منظمة أدخلت في خانة الإرهاب -  وتغض الطرف عن وجهها السياسي المتمثل في منظمة باتاسونا من جهة أخرى.

فبعض تلك العناصر المسماة "ببوليساريو الداخل" جلها منحدر من الأقاليم الغير المتنازع عليها، سقطوا في الاستراتيجية الجزائرية عن وعي أو عن غير وعي، وبات واضحا أنهم سخروا لزعزعة استقرار المغرب من داخله عبر استفزاز قوات الأمن و جرها للوقوع في فخ المجابهة و العنف و تصوير تلك المشاهد المطبوخة و المركبة، قصد  تسويقها في الخارج، وكثيرا ما يحدث هذا في مناسبات معينة، كالمؤتمرات الدولية أو الزيارات الرسمية لبعض الرؤساء الأجانب للمنطقة أو مبعوثي الأمم المتحدة، صور توزع في الخارج وبكل اللغات وفي كل المواقع و المنابر الإعلامية العالمية، على أساس أن "المغرب دولة مارقة" تنتهك حقوق الإنسان في الصحراء. لقد انتبه المغاربة، إلى هذه الأفخاخ الإعلامية المدروسة والتي طبخت في الجزائر بعناية، إنها امتداد لهذه الحرب الحقوقية الجزائرية المعلنة ضد المغرب، و في هذا الباب، كلفت الجزائر عدة منظمات اسبانية بتحويل أموال ضخمة  إلى شباب مغاربة في الداخل قصد التحرش بقوات الأمن ليل نهار، و التشويش عليها و تصوير كل المواجهات العنيفة، و إرسالها إلى مواقع إعلامية عالمية منها مواقع يوتوب و غوغل و الفيس بوك، إنها مهنة مربحة، و كثيرا ما تكون هذه الصور الملتقطة مزورة ومفبركة، وفي مدن خارجة حتى عن نطاق النزاع و خارجة عن موضوعه و عن نصه. في هذا الإطار، ينبغي أن نشير إلى أن الجزائر مولت قناة فضائية باسبانيا للانفصاليين وأسكنتها في قمر صناعي كتلاني، ومن مال دافعي الضرائب الجزائريين.

فإذا عدنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، نجد أن الحزب الديمقراطي الأمريكي، و منذ عهد جيمي كارتر إلى الآن، كان دائما يساند الحقوق السياسية و المدنية  في العالم، وقد وقع في شباك الدعاية المغرضة الجزائرية، إلا أن اكتشاف بعض أعضاءه البارزين كهيلاري كلينتون، للأطماع الجزائرية في الإقليم و الطبيعة الحقيقية للصراع بين المغرب و الجزائر، جعل الديمقراطيين  الأمريكيين يغيرون من لهجتهم و موقفهم، خاصة عندما تبين لهم أن البوليساريو ما هو إلا أداة طيعة في هذه المعادلة الجيوستراتيجية بين البلدين الجارين.

على مستوى الحزب الجمهوري، نلاحظ أن الدبلوماسية الجزائرية طيلة عهدتين متتاليتين للرئيس بوش، قامت بضخ أكثر من 30 مليون دولار في اللوبيات البترولية الأمريكية،  قصد الضغط على المغرب، إلا أنها لم تستطع تجنيد سوى 15 شيخا و نائبا في الكونغرس الأمريكي لمساندة أطروحة الانفصال في إقليم الصحراء، و بعض الأقلام المأجورة و بعض وسائل الإعلام التجارية. أما الدبلوماسية المغربية فرغم شح الإمكانات، فلحت نسبيا في الصمود ومواجهة هذه الآلة الجزائرية الضخمة و الرهيبة، المنتشرة في العالم بميزانية قدرها مليارا و سبع مئة مليون درهم مغربي(دولار واحد = تسعة دراهم)، مبلغ يساوي النفقات التي تخصصها الجزائر لدبلوماسية "الجمهورية الصحراوية الوهمية"...‼ .

خلاصة القول، إن الجزائر التي تروج لانتهاكات حقوق الإنسان في الصحراء، هي الأولى التي تضرب بتلك الحقوق عرض الحائط يوميا وببشاعة كبيرة، فالعدالة الدولية لم تفتح بعد ملفات الذبح والاغتصاب والاختطاف لمئات الآلاف من الجزائريين و الجزائريات و كان بعضهم من أهلي، نظرا لعدة أسباب (انتظار نتائج المصالحة الوطنية التي كانت عبارة عن مسرحية  (الجبل الذي تمخض فولد فأرا)، فالذاكرة الجماعية الجزائرية، لا تنسى و لن تسامح المجرمين المتسببين في الحرب الأهلية وقد عبرت على ذلك في مناسبات عديدة، وهي مازالت تؤكد دائما أن المحاسبة قادمة بدون شك. و في هذا المضمار ينبغي أن أشير إلى أن المغرب لم يستغل لا سياسيا ولا إعلاميا ولا حقوقيا مآسي الشعب الجزائري، ولا سجل الجزائر الأسود في ميدان انتهاك حقوق الإنسان، سواء كان في الجزائر أو في مخيمات تندوف، و لم يطالب الأمم المتحدة بتطبيق حق تقرير المصير للتوارق معاملة بالمثل، و لم يوجه الرأي العام العالمي نحو إنشاء محاكم مختصة، لمساءلة الدولة الجزائرية في مقتل 500 ألف جزائري و جزائرية واغتصاب آلاف النساء و اختطاف آلاف الأطفال، و لم يطالب كذلك بإنشاء محكمة جنائية دولية للنظر في طرد 350 ألف مغربي في ثياب النوم، و في عشية عيد الأضحى سنة 1975 وفي ظروف مأساوية و بدون تعويض. ولم يرفع شكوى ضد الجزائر بسبب التهجير القسري لآلاف الأطفال الصحراويين المغاربة إلى كوبا.

ما يطالب به المغرب، هو السماح للأمم المتحدة و المنظمات المختصة بزيارة المخيمات الموجودة على الأراضي الجزائرية لتقصي الحقائق واستفتاء آراء المحتجزين ومعرفة رأيهم، سواء في البقاء أو العودة إلى وطنهم الأم، فالمغرب يسعى كذلك مع كل دول العالم المحبة للسلام إلى إلزام الجزائر بإعطاء تقرير مفصل حول مصير المفقودين الصحراويين، و الموريتانيين و المغاربة و حتى الجزائريين في مخيمات لحمادة بالجزائر، كما يسعى جاهدا لترميم البيت داخل الأسرة المغاربية، فالذي بيته من زجاج لا يقذف الجيران بالحجارة.    

إن خلق جمعية صداقة جزائرية صحراوية – كذرع آخر للدبلوماسية الجزائرية في العالم- والتي ما هي في الواقع إلا مصلحة من مصالح الجيش الجزائري، هو استخفاف و تحقير للرأي العام العالمي، و تشويه لحقيقة النزاع و لحقيقة الوضع في الصحراء، وتغطية عن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في الجزائر و في مخيمات لحمادة، فانظروا معي كيف قامت هذه الجمعية، عفوا الكتيبة، بترتيب المظاهرة الموالية للبوليساريو في مدريد، ومسرحية تسلم السيدة المغربية أميناتو حيدر لجائزة حقوق الإنسان من مؤسسة كنيدي، تحت التعليمات المباشرة لضابط الأمن الجزائري المرافق لها. فالسيدة المذكورة، التي تتمتع بحرية الرأي و التعبير في الصحراء المغربية،  تتجول في العالم بكل حرية و بجواز سفر مغربي، و تعود إلى بيتها وهي محملة بالعملة الصعبة، سيدة نحترم آراءها و ميولها رغم معرفتنا جيدا للدوافع الشخصية و النفسية التي تتخبط فيها،  وترجع إلى أولادها بالعيون، بدون خوف أو مساءلة حتى من تهمة التخابر مع دول أجنبية معادية، فهل توجد مثل هذه الحرية في الجزائر؟ إن ضمان حرية التجول والتعبير لجميع المغاربة، دليل قاطع على احترام المغرب لحقوق الإنسان و التزاماته الدولية، و اعترافه بكونية هذه الحقوق، ومحاكمة وتجريم كل شخص يثبت انتهاكه لها، و قد وقع ذالك مرارا و تكرارا.

إن الأحزاب المغربية و جمعيات المجتمع المدني المغربية في الداخل و الخارج، عليها أن تقوم باحتضان و توعية و تحسيس الشباب المغربي المنحدر من الأقاليم الصحراوية، و تحسين وضعيته المادية و المعنوية، و هذا مطلب شعبي، شباب وقع ضحية مغالطات وتأويلات وحسابات جيوستراتيجية جزائرية، تشعل النار في الداخل المغربي. فمن الواجب على وسائل الإعلام المغربية كذلك، أن تقوم بدورها في فضح الأبعاد الكارثية للانفصال على بلدنا وعلى المنطقة، والدور الخطير الذي تلعبه الجزائر في استعمال بعض الطلبة في الجامعات المغربية كأدوات إشهارية في نزاع لا علاقة له بمستقبل الصحراء ولا بسكانه، كما  ينبغي مساعدة بعضهم على الخروج من عزلتهم، و إدماجهم بطرق محترمة في وطنهم المغرب. أما الحكام في الجزائر، فعليهم أن يختاروا بين الدمار و الفقر والإرهاب و التفكك و الاستبداد، و بين الديمقراطية و الوحدة و السلام و التنمية في المغرب العربي. ختاما، أقول لهم بصدق و أمانة، كفى من هذه الحرب العبثية التي تهدر الجهد و المال لمصلحة الغريب، الذي يحضر نفسه للعودة إلى المنطقة، فالشعوب المغاربية لا تريد تكرار ما جرى من مآسي سنة 1963، و لا إعادة استنساخ ما وقع من فناء متبادل بين العراق و إيران.  إلى أين نحن ذاهبون يا إخوة...؟؟

ذ.أحميدان و لد الناجي

باحث / مدريد

onaji.hmidane@gmail.com