الحكم الذاتي.. أو لاشيء7 )

يمكن القول أن الجولة الأولى من المفاوضات بين أطراف النزاع الإقليمي المفتعل في الصحراء المغربية، والتي جرت تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة بمانهاست، بضواحي نيويورك، قد دشنت لمسلسل جديد يستمد مرتكزاته من القرار1754 الصادر في 30 أبريل المنصرم عن مجلس الأمن، الداعي الى إجراء مفاوضات بحسن نية، مع الأخذ بعين الاعتبار مبادرة التفاوض بشأن نظام الحكم الذاتي لجهة الصحراء. لكن على بعد شهر ونصف، وهي المدة الزمنية المخصصة للتحضير للجولة الثانية من المفاوضات، التي من المقرر عقدها خلال الأسبوع الثاني من شهر غشت المقبل، تبرز بين الفينة والأخرى تصريحات سلبية واشارات تبين تشبث الطرف الآخر بمواقفه السابقة التي ثبت عدم قابليتها للتطبيق وعدم تقديمه لاي مقترح بناء يخرج قضية الصحراء من مأزقها الحالي، ويوفر فرصة حقيقية لتحقيق السلم والمصالحة وجمع الشمل وإنهاء مأساة مخيمات تندوف. الأطراف الأخرى، لا تزال اذن حبيسة أطروحاتها المتجاوزة، ولم تتحرر بعد من ارتباطاتها بمخططات سابقة، محاولة القفز على مقترح الحكم الذاتي الذي يعتبره المغرب سقفا لا يمكن تجاوزه او التيه عنه الى خيارات مستحيلة تجد مرجعيتها في المخططات السابقة المتقادمة. لقد شارك المغرب من أجل التوصل إلى حل نهائي للنزاع، على أساس التشبث بالثوابت والمقدسات الوطنية، وسيادة المملكة ووحدتها الترابية، والحرص على المصالح العليا للوطن، والأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الجهوية للمنطقة في انسجام مع المعايير الدولية المتعارف عليها. وقد كان مبادرته شاملةا غير قابلة للانتقاء، ونقطة وصول حتمية ستكفل ليس فقط لكافة الصحراويين، سواء الموجودين في الداخل أو في الخارج، مكانتهم اللائقة ودورهم الكامل في مختلف هيئات الجهة ومؤسساتها، بل ستعفي شعوب بلدان المغرب العربي من زمن انتظار اضافي يجهل مداه في الوقت الذي باتت هذه الشعوب تعلن عن رفضها لمشجب "النزاع المفتعل" الذي يعلق عليه البعض اخفاقاته في المجال الاقتصادي والاجتماعي، رغم وفرة الموارد الريعية. ان المبادرة المغربية لا تستلهم مضامينها من مقترحات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومن الأحكام الدستورية والتجارب المعمول بها في الدول القريبة من المغرب جغرافيا وثقافيا، بل هي فرصة لا تعوض لإعادة فتح ملف الاتحاد المغاربي والسوق المغاربية المشتركة التي لا توفر لبلدانه أوضاعا اقتصادية واجتماعية وسياسية فحسب وانما توفر ايضاً أوضاعاً سياسية وتفاوضية يصعب علي أي مكابر أو مغرور بخيلاء القوة ومكر الديبلوماسية أن يتجاهلها ! فالأرض المغاربية مليئة بموارد طبيعية من بترول ومعادن وخامات وانهار وأراض صالحة للزراعة. وهي مقومات كافية لتحقيق التكامل الاقتصادي الذي اصبح الخيار الوحيد لإثبات الوجود والقدرة علي تجنب أي محاولات محتملة في الغد للتشهير أو الابتزاز في ظل العولمة التجارية والاقتصادية أو تحت وطأة الحاجة لمجاراة احتياجات الاقتناء لمنتجات العولمة التكنولوجية والعلمية. وليست كل دوافع الدعوة إلي إقامة السوق المغاربية المشتركة مجرد تعبير عن مشاعر سياسية طارئة وإنما أغلبها يعكس إحساسا بضرورة تأمين احتياجات الحاضر والاستعداد لأي مجهول يختبئ في تلابيب المستقبل. وليس هناك أسلوب يصلح لإعادة فتح ملف المصالح الاقتصادية المشتركة والتعاون المتبادل للدول الخمس سوى أسلوب المصارحة والمكاشفة دون أي حساسيات. ولتكن الجولة الثانية من المفاوضات بوابة لهذا المسعى الذي يطمح له كل المغاربيون. وليكن اللقاء القادم بمانهاست فرصة للالتفاف حول المقاربة المغربية الواقعية والبراغماتية كسقف اعلى لا يمكن تجاوزه، من أجل تسوية هذه القضية وتجاوز نزاع مفتعل أعاق بشكل كبير كل جهود الاندماج والاقلاع الاقتصادي. فليكن الموعد القادم فرصة للتفاوض حول الحكم الذاتي او.. لا شيء.
مصطفى السالكي